الزّواج في تونس مخزن مسكّر ولا كرية مشومة

الزّواج في تونس مخزن مسكّر ولا كرية مشومة

commentaires · 1547 Vues

الزّواج في تونس:«مخزن مسكّر ولا كرية مشومة

أخر سن الزواج في تونس، هل هو اختياري أم أصبح نمط عيش في مجتمعنا؟ ما هي أسباب عزوف الشباب اليوم عن السعي لامتلاك نصف دينه؟ هل يعود تأخر سن الزواج إلى طول الدراسة وصعوبة الاندماج في سوق الشغل ومشكل البطالة، أم أن السبب هو التحرر المفرط الذي يتمتع به الشباب وتعدد العلاقات الجنسية قبل الزواج التي تحقق رغبات كلّ من الجنسين، أم أنّ العزوف عائد إلى كثرة شروط المرأة مقارنة بمحدودية الدخل لدى الرجل، مما يخلق لديه شعورا بالخشية من عدم القدرة على تحمّل مسؤولية نفقات الزواج والمعيشة التي قد تفوق طاقته؟
«التونسية» تجولت في شوارع العاصمة، وطرحت الموضوع على عديد الشبان والفتيات وخرجت بالتحقيق التالي:
يسر جوزنة (27 سنة)، أكدت أن من أهم الأسباب وراء تأخر الشباب في الزواج سوء الوضع المالي الذي يمرون به، حيث نبهت إلى أن جل الشباب يتعرضون إلى مشكل البطالة، والتي تطول فترتها، بعد تخرجهم مباشرة، وأن غياب مورد رزق يجعل الشباب غير قادر على الزواج.
واعتبرت يسر أن هذا الإشكال تمر به الفتاة شأنها شأن الشاب، وأنه إن لم يكن لها أي مورد رزق، يكون من الصعب عليها أن تتزوج، خاصة أن شباب اليوم، يبحثون عمّن تشاركهم في تحمل تكاليف الحياة الصعبة، في ظلّ ما نشهده اليوم من غلاء للمعيشة.
شادي السالمي (23 سنة)، أكد على أن غلاء المعيشة وراء تأخر سن الزواج في تونس، سواء بالنسبة للفتاة أو للشاب، منبها إلى أن الشاب غير قادر اليوم على القيام بكل الواجبات وتحمل المسؤولية وحده، وأنه في حاجة إلى من تقاسم معه عبء النفقات.
تونسيات فضّلن الدراسة على الشريك
إحدى الفتيات وهي في السادسة والثلاثين من العمر تحدثت إلينا عن «تجربتها المريرة» حسب ما قالت في هذا الشأن بعد أن جانبها الحظ في العثور على الطرف المقابل، مبيّنة أنها رفضت في البداية ثلاثة عروض للزواج منذ أن كان عمرها إحدى وعشرين سنة لهاجس ظل يلازمها وهو التركيز فقط على إتمام دراستها الجامعية ثم الإنكباب على الدراسات العليا التخصصية، مضيفة: «دخلت الحياة العملية التي أغوتني إلى درجة الجري وراء المكانة الوظيفية والشهرة والمال والسيارة، لأستفيق بعد سنوات على حقيقة الزمن الذي لا يعود إلى الوراء ولا ينتظر من لم يكن في مواعيد مع محطاته .. وفي انتظار الذي يأتي وقد لا يأتي يبدو أنني حُرمتُ من طعم الأمومة ودفء الأسرة».
آية حمدي (24 سنة)، صرحت بأنها انشغلت بالدراسة لضمان مستقبل جيد، وأنّها الآن بصدد البحث عن شغل، من أجل إعانة عائلتها على المصاريف اليومية، ثم ستفكر في مسألة الزواج.
آية أضافت أنه من غير السهل العثور على شاب في هذا الوقت، ممن تتوفر فيهم الشروط الضرورية لضمان الاستقرار في وسط عائلي جيد، على غرار أن يكون موظّفا مترسّما، له مدخول شهري محترم، ومنزل، وممن يتحمل المسؤولية، صادقا وجدّيا، مضيفة «جل الشباب يريدون العلاقات العابرة، والسهر بالهاتف، والخروج والتسكع، دون أن تكون لهم أيّة نية للإرتباط».
«بنات العايلات... وينهم .. والله ما لقيت ...»
عصام محرزي (27 سنة)، أكد أنه لم يجد الفتاة المناسبة للزواج، مؤكدا على عدم إهتمامه بما إذا كانت تعمل أم لا، مشددا على أن «بنات العايلات» نادرات، منبها إلى أن كثيرا من الفتيات أصبحن يمضين يومهن بين التسكع مع هذا والسهر مع ذاك، ناهيك عن من تقارع الخمر وتدخن.
أحمد (48 سنة) ابتسم عندما سألناه عن سبب عدم زواجه إلى هذه اللحظة، وقال «والّله ما لقيت حتى طفلة»، مصرحا أن جل الفتيات اللواتي عرفهن هن من صنف «بائعات الهوى» بامتياز، مؤكدا أنه لم تعد له أيّة ثقة في الفتيات، خاصة مع تجربته، منبها إلى أنّ جل الفتيات يبحثن عن المظاهر وعن المال، ولا يهتممن بالجوهر، مؤكّدا أن معظم الفتيات في تونس يبحثن عن العلاقات العابرة، وإنّها مسألة لم تعد حكرا على الشباب، مضيفا «برى شوف البارات والبواتات في الليل، نمشي ناخو وحدة ونحصل فيها وإلاّ كيفاش؟».
الصحافة مهنة المتاعب .. والفاشلين في الحب؟؟؟
مروان الحمادي (31 سنة)، صحفي، أكد أن سبب عزوف الشباب عن الزواج، هو عدم العثور على الشريك المناسب، قائلا «انا واحد من الناس ملقيتش لتوا بنت الحلال، النساء اللي نعرفهم يتكيفوا، يشربوا، متاع سهريات موش متاع عرس».
مروان أضاف أن جل العاملين بقطاع الصحافة يتأخرون في الزواج، وأنه إن حدث لهم أن تزوجوا يكون لهم زواج ثاني، وثالث، أو أنهم ينهون بقية حياتهم وحيدين، ذلك أن الصحافيين فاشلون في الحب، منبها إلى أن الصحفي يعمل طوال الوقت، وأنه لا يمتلك الوقت لإقامة العلاقات، وبالتالي لا يمكن له النجاح في أيّة علاقة، إلا إذا كان الشريك متفهما أو من نفس القطاع.
انصاف (42 سنة) أكدت أنها تأخرت في الزواج بسبب إنغماسها في الدراسة ثم عملها في الصحافة، مضيفة «أنشأت العديد من العلاقات الجدية بهدف الزواج، إلا أنني انفصلت وذلك نتيجة عملي، ونتيجة عدم تمكني من الإلتزام بمواعيدي الغرامية، نظرا لتزامنها مع ريبورتاج أعده، أو حوار أجريه، أو إلتزام أو ندوة صحفية، صحيح تغيبي متكرر، ولكنّي لم أجد من يقدّر إلتزاماتي، خاصة أننا في مهنة الصحافة لسنا مرتبطين بدوام معين، متى كانت هناك أحداث في البلاد، يكون علينا التحرك للمواكبة والتغطية»، وأكدت إنصاف أنها رفضت عددا من عروض الزواج نتيجة عدم إقتناعها بشريكها، مضيفة «كنت على علاقة بشخص، واقترح عليّ الزواج ولكن مقابل التخلي عن مهنتي، لكنني رفضت ذلك، نحن نمتهن مهنة المتاعب، ولذلك نحن فاشلون في الحب»، وقالت إنصاف «وقتنا موش متاعنا ... متاع الخدمة».
أسباب عزوف الشباب عن الزواج
يعود تأخر سن الزواج إلى عدة أسباب على غرار طول فترة الدراسة وصعوبة إيجاد عمل، حيث أن شباب تونس أصبح يعاني اليوم من مشكل كبير يؤرقهم، وهو البطالة، وهو ما يجعل جل الشباب يؤجلون مسألة الزواج، هذا إن لم يتم إبعاد هذه الفكرة.
كما يؤكد الخبراء والاختصاصيون في علم الاجتماع أن من أسباب عزوف الشباب عن الإرتباط وإنشاء عائلة، التحرر الموجود، من خلال تعدد العلاقات الجنسية قبل الزواج، والانحلال والتسيب الاخلاقي وكلّها عوامل تجعل كلا الجنسين يحققان رغباتهما الجنسية دون أيّة قيود، ودون أيّة التزامات، وبالتالي تصبح فكرة الزواج مجرد قاعدة لكبت الحرية والراحة النفسية بالنسبة إليهم.
كما نبه عدد من المختصين إلى أن المرأة التونسية تضع شروطا تعجيزية للزوج، من ذلك المهر، و«الصياغة» والمنزل وشهر العسل، وغيرها من المصاريف التي تثقل كاهل الشاب، خاصة أمام محدودية دخله، مما يولد عزوفا ونفورا وتخوفا شديدا من عدم القدرة على تحمّل مسؤولية نفقات الزواج والمعيشة التي قد تفوق طاقته.
نسب عالية
مع تطور مجتمعاتنا العربية، ووصولها إلى مراتب متقدمة خاصة في ما تعلق بالتعليم، وإرتفاع نسبة الفتيات بالجامعات في تونس، أصبحنا نشهد تأخّرا واضحا في سن زواج الفتيات، خاصة أن نسبة تمدرس الإناث بالتعليم العالي تجاوزت 60 بالمائة، وهو ما يجعل الفتاة تنغمس في إكمال دراستها الجامعية وتتسلّق سلّم النجاح، ليصبح معدل سنّ زواجها بين 29 و30 سنة فما فوق وتصل إلى 35 سنة فما فوق بالنسبة للرّجل، وتبقى ظاهرة تأخر سن الزواج والعزوف عنه موجودة لدى الرجال أكثر من النساء. ففي أغلب الأحيان تكون المرأة مستعدة للمساهمة وتقاسم تكاليف الزواج والمعيشة، ولكن الرجل أحيانًا يرفض الزواج بحجة المشاكل المادية والظروف الصعبة، مع العلم أن الإحصائيات تؤكد أن حوالي 70 بالمائة من حالات عزوف الشباب عن الزواج تعود لعوامل مادية واقتصادية بحتة.
انعكاسات سلبية
تأخر سن الزواج يعكس عدة جوانب سلبية، خاصة أنه من أهم الأسباب المسؤولة عن انخفاض مستوى الخصوبة في المجتمع، وهو ما يؤدي إلى وجود مشاكل إنجابية متعددة كالعقم النسبي أو الكلي، ومشاكل صحيّة أخرى مرتبطة بالولادات إلى جانب التأثيرات المحتملة في تنامي ظاهرة الحمل والولادة خارج إطار الزّواج.
كما يؤكد المختصون على أن مشاكل الإنجاب قد تكون سببا أيضا في ارتفاع نسبة الطلاق بتونس، خاصة وأن الزواج المتأخر غالبا ما يكون متسرّعا، فيقع أحيانًا اختيار خاطئ للشريك، وينجرّ عن ذلك انهيار الزواج مع أول مشكل ناتج عن اختلاف في الآراء والأذواق رغم نضج الطرفين.
كما أن من شأن تأخر الزواج أن يحدث اضطرابات نفسية قد تصبح خطيرة أحيانًا، وغالبًا ما تتعرض لها المرأة التي دخلت مرحلة العنوسة، فتنجر عن ذلك مشاكل وسلوكات خطيرة (محاولات انتحار، أمراض نفسية مستعصية...).
ووفق إحصائيات تقدر نسبة العزوبة لدى النساء اللاتي تتراوح أعمارهن بين 30 و34 سنة ب40 بالمائة، علمًا أن نسبة العزوبة لدى الفتيات اللاتي تتراوح أعمارهن بين 20 و25 سنة، تقدر ب85 بالمائة ، وهي نسبة مرتفعة جدًا، إلأ أن هذه الفئة غالبًا ما تكون في مرحلة الدراسة الجامعية بما من شأنه أن يثبت أن طول فترة التعليم أصبح من أهم أسباب تأخر سن الزواج.
الحد من هذه الظاهرة
يؤكد المختصون في علم الاجتماع على ضرورة متابعة ظاهرة تأخر سن الزواج خاصة أنها العامل الأساسي لانخفاض معدل الخصوبة بتونس، باعتبار أن تأخر الزواج يضاعف من إمكانية ظهور مشاكل في الحمل والولادة. وللتذكير فإن الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري، قدم مقترحات للحدّ من هذه الظاهرة ودعا إلى توفير تسهيلات في السكن للأزواج الجدد والرفع من نسق العمل التحسيسي والاجتماعي لتجاوز إشكال الزواج ذي الكلفة العالية وإحداث تشجيعات مالية ومبيتات جامعية خاصة بالطلبة المتزوجين، بما أن أكبر نسبة للعزوبة تسجل لدى الفئة التي ما تزال في مرحلة الدراسة الجامعية. ولكن تبقى هذه المقترحات في إطار التنظير إلى أن يتم تحقيقها على أرض الواقع.

commentaires